عامٌ على الرحيل

قبل عام واحد، وفي الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني نوفمبر 2018، خيم حزن كبير على مدينة كفرنبل وكافة المناطق المحررة برحيل أحد أبرز نشطاء الثورة السورية، بعد إعلان راديو فرش المحلية وعشرات الوكالات الإعلامية العربية والغربية نبأ استشهاد الإعلامي رائد الفارس بعد تعرضه للاغتيال من قبل مجهولين برفقة رفيق دربه المصور حمود الجنيد.

لم يكن إعلان نبأ استـشهاد رائد الفارس الشخصية الأكثر شعبية والأبرز في الثورة السورية، بالأمر السهل فلطالما اعتبره نظام الأسد واحداً من الشخصيات “الإرهابية” التي يجب القضاء عليها بطبيعة عمله في توثيق المجازر والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في المناطق المحررة وإيصال صوت الشعب الثائر إلى الحكومات والشعوب الغربية لإيصال حقيقة ما يجري في سوريا من حرب يشنها نظام متغطرس على شعب ثائر أعزل.

نعاه السوريون على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم، وصار حديثهم في كل الجلسات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي التي ضجت بصوره التي ما زالت حاضرة إلى هذا اليوم، كما ونعيّ من قبل عشرات الصحفيين العرب والأجانب بالإضافة إلى عدد من المسؤولين في دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية.

وقبل انخراط “الفارس” في الثورة السورية، درس الطب البشري وترك دراسته بسبب وفاة والده ليكون معيل أسرته، وكان يعمل في مكتب تسيير معاملات، ومع بداية الثورة كان من أوائل من بدأ بالحراك السلمي ضد نظام الأسد، حيث التحق بالمجال الإعلامي، واشتهر بمخطوطاته الرائعة التي كان يكتبها باللغتين العربية والانجليزية على لافتات تحمل توقيعه من مدينة كفرنبل، مما أتاح لها عبور حاجز اللغة والوصول الى العالم حيث استقبلت بحفاوة كبيرة، لأنها عزفت على أوتار محددة لم تتغير مع السنين، وكانت أفكاره العلمية والثورية لها دور الريادة في إيصال صوت أبناء مدينته الى أقصى بقاع الأرض، حتى أصبحت أيقونة الثورة في الشمال السوري بل في جميع أنحاء سورية.

ومع ضرورة توصيل حقيقة ما يحصل في سوريا منذ بداية الثورة عمل الفارس في توثيق الحراك السلمي في مدينته كفرنبل والبلدات المجاورة، كما وعمل في توثيق الانتهاكات التي كان يتعرض لها المتظاهرون من قبل أجهزة نظام الأسد الأمنية.

وثق الفارس بعدسة هاتفه المتواضعة عشرات الانتهاكات والمجازر وكان شاهدا على أفظع مجزرة تعرضت لها مدينته في تاريخ الثامن والعشرين من أغسطس عام 2012، مجزرة راح ضحيتها العشرات من المدنيين في ذلك اليوم والتي وثقها بعدسة هاتفه ليتابع عمله في نقل المعاناة إلى شعوب وحكومات العالم.

لا يتعدى عمر “الفارس” الـ46 عاما لتطوى صفحات حياته بعد مسيرة طويلة امضاها الشهيد خلال الثورة السورية بنقل الحقيقة والمعاناة إلى دول العالم المتحضر التي لم تكن مواقفها سوى التنديد والاستنكار ومشاهدة ما يحصل دون تحريك أي ساكن للوقوف في وجه الظالم.

ولتنظيم العمل في المجال الإعلامي الذي له دور الريادة في إيصال حقيقة ما يحدث في سوريا من حرب تشنها ميليشيات الأسد وداعميه على شعب أعزل، أسس “الفارس” مع عدد من النشطاء الإعلاميين إذاعة محلية تعمل على نقل الأخبار وتحذير المدنيين من قصف الطائرات الحربية وقصف ثكنات نظام الأسد للمناطق المحررة في ريف إدلب الجنوبي.

وبعد انطلاقة راديو فرش التي كان من مؤسسيها تنقل “الفارس” بين العديد من المدن حول العالم لتحصيل الدعم اللازم لاستمرارها في توثيق الجرائم المرتكبة ضد المدنيين، كما وأسس منظمة محلية تعنى بالمرأة والطفل وعمل على تقديم ما يستطيع لمساعدة المدنيين.

شارك “الفارس” في العديد من المحافل الدولية التي من شأنها أن تظهر للعالم مدى قوة الشعب وثورته، في عام 2017 وفي مؤتمر أوسلو للحريات، بحضور ممثلين من دول الاتحاد الأوربي، وعد الفارس بأن الثورة السورية ستغير الشرق الأوسط كما غيرت الثورة الفرنسية وجه القارة العجوز، “ستغيرها لأنها قامت بتغيرنا من الداخل، لأنها جعلت من الألم المكبوت داخلنا بنادقاً في وجه الطغاة، وأقلاماً بيد أبنائها في مدينته”.

تعرض “الفارس” لمضايقات كثيرة من نظام الأسد ومن بعض التيارات، حيث تعرض لمحاولة اغتيال في نهاية عام ٢٠١٣، كما قامت إحدى الفصائل المعارضة باعتقاله مرتين الأولى في عام ٢٠١٥ والثانية بداية عام ٢٠١٦، وفي عام 2018 تمكنت يد الحقد من اغتياله عبر بضع رصاصات كانت كفيلة بأن يرحل عن هذه الدنيا.

كان معروفاً ببساطة عيشه وبتواضعه، حتى أن عائلته مكثت في مسقط رأسه “كفرنبل” إلى فترة ليست بالبعيدة، كما وكان دوما يعرف بأنه قد يفارق الحياة في أي وقت بسبب طبيعة عمله وكثرة الأطراف التي تريد اغتياله نتيجة مواقفه الداعمة إلى عدم التفريق بين مكونات الشعب السوري، وكان مع فكرة بناء دولة مؤسسات مدنية لكافة شرائح المجتمع السوري.

وللفارس مواقف مشهورة كان أهمها مطالبته برحيل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي كان عاجزا عن حماية الأطفال والنساء في سوريا، وتعزيته لعائلات ضحايا تفجير بوسطن الإرهابي في الولايات المتحدة الأمريكية حيث رفع لافتة كتب عليها “من كفرنبل الجريحة إلى واشنطن.. الإرهاب لا دين له”.

وعرف عنه تمتعه بكاريزما عالية، وشعبية كبيرة في محافظة إدلب والمناطق المحررة، ومن أقوال “الفارس” المشهورة أن “الثورة فكرة والفكرة لا يقتلها سلاح”، مقولة رافقته خلال زياراته إلى عدة دول العالم، وأصبحت وسماً اختاره نشطاء ومغردون لإحياء ذكراه.

“الفارس ” صاحب الضحكة الجميلة، حمل هذا الاسم من فارسه أجمل المعاني فقد منحه صاحبه الرجولة وعلمه معنى الحرية بصوت الشعب، فقد كان فارساً لاسمه، ولم يكن لهذا الاسم معنى لولا وجوده في هذا الشخص، حيث كان بمثابة مرآة الثورة السورية في كل أنحاء العالم حتى تمكنت يد الغدر والخيانة النيل من جسده الطاهر.

إعداد: حمزة العبد الله (فرش أونلاين)